من مهندس إلى جزار.. رحلة محمد رضا بين الشغف والفن

بدأت رحلة محمد رضا مع التمثيل في أعماق طفولته، حين كان تلميذًا صغيرًا في المدرسة الابتدائية، لا يعرف بعد ما الذي يريد أن يفعله في حياته، لكنه كان يشعر دائمًا بحاجة داخلية لتجربة شيء مختلف. ولم يعرف طبيعة هذا الشيء حتى السنة الثالثة من دراسته، حين اقترب موعد الاحتفال السنوي للمدرسة الذي تشرف عليه إدارة المنطقة التعليمية وكبار الموظفين وأولياء الأمور.

 

في هذا الاحتفال، قرر المشرفون إضافة فاصل تمثيلي صغير ضمن البرنامج، يعالج قضية الكسل عند التلاميذ. أسندوا إلى محمد رضا دور المحامي الذي يحاول تلمس البراءة للتلميذ الكسول، لكنه يواجه أدلة الاتهام القوية. بالرغم من عدم خبرته السابقة، شعر محمد بأن الدور بلا حياة، وأنه بحاجة إلى إضفاء الروح عليه.

 

حين حان وقته لدخول المسرح، تجرأ على الخروج عن حدود الدور التقليدية، متجاوزًا تعليمات المخرج المدرسي، معتمدًا على حركاته وإشاراته الخاصة التي أثارت ضحك الجمهور مرات عدة. وعندما انتهى المشهد، استقبله الناظر في الكواليس وهنأه، متنبئًا بمستقبل مرموق لهذا التلميذ الموهوب. كانت تلك اللحظة نقطة تحول؛ إذ أدرك محمد رضا أنه وجد شغفه الحقيقي في التمثيل.

 

توالت السنوات، وكبر محمد في القاهرة، محافظًا على نجاحه الدراسي، بينما نما حبه للتمثيل. أصبح أحد الرواد في مسارح المدرسة ودائم المشاركة في كل احتفال، حتى لقب بين زملائه بـ”الفنان”. ومع ذلك، ظل يشك في قدراته، ويشكك في نفسه عندما يواجه أدوارًا صعبة، خصوصًا تلك التي تتطلب أداءً تراجيديًا.

 

ذات مرة، وفي محاولة لتجاوز شعوره بالقصور، تدرب على دور تراجيدي مع شقيقه الأصغر، أثناء نزهة مسائية في حديقة عامة، مستعرضًا موهبته أمامه. اندمج محمد في الدور بشدة، حتى دمعت عينا شقيقه، وقدم له جنيهاً كان كل ما يملك. في تلك اللحظة شعر محمد بالثقة في نفسه، وعرف أن موهبته الفنية قادرة على التأثير في الآخرين.

 

لاحقًا، انتقلت حياته المهنية إلى مدينة السويس، حيث عمل مهندسًا ضمن أول دفعة مصرية في شركة شل. تميز في عمله وارتفع راتبه، لكنه لم ينس شغفه بالتمثيل. شارك في مسابقة لاختيار وجوه جديدة للشاشة ضمن مئات المشتركين، وفاز بالمركز الأول، فقرر مغادرة عمله والعودة إلى القاهرة لتحقيق حلمه. لكن السنة التالية قضى فيها متعطلاً، يعاني الجوع والخسارة، إذ لم تتحقق آماله الفنية على الفور.

 

عاد محمد رضا للعمل في إحدى المصالح الحكومية كموظف عادي، مستمرًا في متابعة حلمه بالتمثيل، فقرر الالتحاق بمعهد التمثيل العالي سرًا، رغم اعتراض زوجته التي وجهت إليه ultimatum بين الالتزام بالمعهد أو حياتهما الزوجية. استطاع إقناعها بالبقاء معه، وأكمل دراسته، حتى نال الدبلوم وتخرج.

 

بعد تخرجه، تنقل محمد رضا بين عدة فرق تمثيلية، مكرسًا حياته للفن، ومثبتًا أنه بالرغم من الصعوبات والظروف، يمكن للشغف والإصرار أن يفتحا الطريق أمام تحقيق الأحلام.

 

رحلة محمد رضا لم تكن سهلة؛ فقد عاش بين الفقر، والعمل المهني، والمتاعب الأسرية، لكنه حافظ على شغفه بالفن منذ أيامه المدرسية، مرورًا بمحاولاته في معهد التمثيل، وحتى احترافه المسرحي والسينمائي. ومع كل ذلك، ظل يذكر النبوءة التي قالها له الناظر في صغره: مستقبل مرموق، دون أن يعرف تمامًا شكل هذا المستقبل، لكنه ظل يسعى لتحقيقه كل يوم.

 

إن قصة محمد رضا ليست مجرد قصة نجاح شخصي، بل شهادة على قوة الإصرار، وأهمية اكتشاف المواهب منذ الصغر، وعلى أن شغف الإنسان يمكن أن يجد طريقه مهما كانت التحديات والظروف. فمن تلميذ صغير في مسرح مدرسته إلى مهندس، ثم إلى ممثل محترف، برزت موهبة محمد رضا التي أثرت في عالم الفن المصري، وأثبتت أن الحب الحقيقي للتمثيل يمكن أن يتجاوز كل العراقيل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى